تروي الصحفية ماري جو صادر مأساة آلاف العائلات في غزة التي تعيش على وقع انتظار بلا نهاية، بحثًا عن إجابة حول مصير أبنائها المفقودين وسط الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب. داخل منازل محترقة وأنقاض متراكمة، تحاول أمهات وآباء التمسك بالأمل، بينما يلتهم الغموض تفاصيل حياتهم اليومية.


توضح المقالة، المنشورة على موقع لوموند، أن آلاف الجثامين ما زالت عالقة تحت الركام، أو تقطعت أشلاء بفعل شدة القصف، أو نُقلت إلى أماكن مجهولة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما يحرم العائلات من أبسط الحقوق: معرفة مصير أحبائها ودفنهم بكرامة.


انتظار يلتهم الزمن


تعيش تحرير أبو ماضي، البالغة من العمر أربعين عامًا، واحدة من هذه المآسي. تكتب على جدران منزلها المحترق عبارات تمنحها بعض القوة، وترسم في دفاترها كل ما يساعدها على تحمّل الانتظار الذي امتد قرابة عامين. تقول إن الكتابة أصبحت صرختها الوحيدة في وجه الألم، ووسيلتها لمقاومة الانهيار.


تفقد العائلة أثر اثنين من أطفالها، ملك ويوسف، منذ فبراير 2024. خرج الشابان من مكان نزوحهما المؤقت عائدين إلى المنزل لجمع كتب الدراسة وبعض الاحتياجات، في وقت شهدت فيه مدينة خان يونس توغلًا عسكريًا إسرائيليًا. منذ ذلك اليوم، انقطع أي أثر لهما، ولم يصل للعائلة خبر يؤكد إن كانا قد قُتلا أو اعتُقلا أو دُفنا تحت الأنقاض.


تكررت هذه القصة بصيغ مختلفة في أحياء غزة كافة. تبحث عائلات بين المستشفيات المدمرة والمقابر الجماعية المؤقتة، وتسأل فرق الإسعاف والدفاع المدني عن أسماء غير موجودة في أي سجل رسمي.


جثامين بلا أسماء وملفات معلّقة


تشرح المقالة أن حجم الدمار أعاق عمليات التوثيق والتعرف على الضحايا. يمنع القصف المتواصل والأنقاض الهائلة الوصول إلى كثير من المواقع، بينما تواجه الطواقم الطبية نقصًا حادًا في المعدات اللازمة للتعرف على الجثامين أو حفظها.


تتحدث منظمات إنسانية عن آلاف البلاغات المتعلقة بمفقودين، في ظل غياب قاعدة بيانات مركزية. تعتمد العائلات على شهادات الجيران أو صور التُقطت بهواتف محمولة، أحيانًا دون تاريخ أو موقع واضح. يزيد هذا الواقع من معاناة نفسية قاسية، حيث يبقى الأهل معلقين بين الأمل واليأس.


تلفت المقالة إلى أن بعض الجثامين نُقلت خلال العمليات العسكرية إلى مواقع غير معلنة، ما يفتح باب الشكوك حول مصيرها، ويثير مخاوف قانونية وإنسانية تتعلق بحق العائلات في المعرفة والحداد.


حرب مستمرة على الذاكرة والحق في الوداع


تؤكد الكاتبة أن غياب الإجابات لا يقل قسوة عن فقدان الحياة ذاته. تحرم حالة الغموض العائلات من طقوس الوداع، وتحوّل الحزن إلى جرح مفتوح. في مجتمع يقوم على الروابط العائلية الوثيقة، يتحول المفقود إلى سؤال يومي لا إجابة له.


ترصد المقالة كيف تحاول بعض العائلات توثيق قصص أبنائها المفقودين بالصور والكتابة والرسم، كوسيلة لمقاومة النسيان، وحفظ الذاكرة في مواجهة دمار شامل لا يفرّق بين البشر والحجر. ترى العائلات في التوثيق فعلًا من أفعال البقاء، ورسالة إلى العالم بأن هؤلاء لم يختفوا بلا أثر.


في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، تبقى هذه الشهادات نافذة نادرة على معاناة صامتة. تؤكد المقالة أن معرفة مصير المفقودين لا تمثل مطلبًا إنسانيًا فقط، بل حقًا أساسيًا يكفله القانون الدولي، وشرطًا ضروريًا لأي حديث عن العدالة أو التعافي بعد الحرب.

 

https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/02/04/in-gaza-the-fate-of-thousands-missing-remains-unknown_6750131_4.html